السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

428

مفاتيح الأصول

المتواتر خبر جماعة يفيد بنفسه القطع وفي الوافية المتواتر هو خبر جماعة بلغوا في الكثرة أحالت العادة تواطؤهم على الكذب كالمخبرين عن وجود مكة وإسكندر ونحوهما وفي غاية المأمول التواتر في اللَّغة تعاقب الأشياء واحدا بعد واحد بمهلة وفترة وبتتابعها وفي الاصطلاح خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه وفي شرح المبادي للسيوري التواتر في اللغة مجيء واحد بعد واحد تترى بفترة بينهم وفي اصطلاح العلماء عبارة عن إخبار جماعة بلغوا كثرة تفيد بنفسه العلم مع قطع النظر عما ضمّ إليه من القرائن وفي البداية المتواتر هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم واتفاقهم على الكذب واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث يتعدد بأن يرويه قوم عن قوم وهكذا إلى الأول فيكون أوله في هذا الوصف كآخره ووسطه كطرفيه ليحصل الوصف وهو استحالة التواطي على الكذب للكثرة في جميع الطبقات المتعددة وبهذا ينتفي التواتر عن كثير من الأخبار التي قد بلغت رواتها في زماننا ذلك الحدّ لكن لم يتفق ذلك غيره خصوصا في الابتداء وظن كونها متواترة من لم يتفطن لهذا الشرط وفي ح العضدي التواتر في اللغة تتابع أمور واحد بعد واحد بفترة من الوتر ومنه ثم أرسلنا رسلنا تترى وفي الاصطلاح خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه وفي الإحكام أما التواتر في اللَّغة فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد بينهما مهلة ومنه قوله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى أي واحدا بعد واحد وأما في اصطلاح الأصوليين فقد قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بقولهم وهو غلط فإن ما ذكره إنما هو حد الخبر المتواتر لا حدّ نفس التواتر وفرق بين المتواتر والتواتر وإنما التواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن تتابع الخبر من جماعة يفيد العلم بخبره وأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني كاف عن الآخر والحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد نفسه للعلم بمخبره ( بخبره ) وفي زواهر الحكم التواتر هو إخبار جماعة لا يجوز العقل بسبب كثرتهم وخصوصيات أحوالهم اتفاقهم على الكذب عن شيء محسوس إما أنهم أنفسهم قد شاهدوه بعينه أو يخبروا عن جماعة أمثالهم إلى أن ينتهي إخبارهم إلى مشاهدتهم إياه نفسه انتهى وقد اختلف الناس في إمكان التواتر وتحققه على أقوال الأول أن ذلك ممكن وواقع وهو للذريعة والعدة والغنية والمعارج والتهذيب والنهاية والمبادي وشرحيه لفخر الإسلام والسّيوري والمنية والزبدة والمعالم والبداية وشمع اليقين وسرماية الإيمان وزواهر الحكم وغاية المأمول والمستصفي والمختصر وشرحه وشرح الشرح وغيرها وفي النهاية ذهب أكثر الناس إلى أن يفيد العلم سواء كان خبرا عن موجود في زماننا كالإخبار عن البلدان النائية وعن أمور ماضية كالإخبار عن وجود الأنبياء والملوك الماضين وفي المنية التواتر يفيد العلم بمخبره ( بخبره ) وذلك مما اتفق عليه أكثر العقلاء وفي الإحكام اتفق الكل على أن الخبر المتواتر مفيد للعلم وفي غاية المأمول أن العقلاء اتفقوا على أن المتواتر يفيد العلم سواء كان خبرا عما هو موجود في زماننا كالإخبار عن البلدان النائية أو عما هو بيّن كالإخبار عن وجود الملوك المتقدمة وفي شرح المختصر للعضدي اتفق العقلاء على أن الخبر المتواتر بشرائطه يفيد العلم بصدقه انتهى وبالجملة لا إشكال ولا شبهة في أن هذا القول مذهب المحققين والمعتمدين من العقلاء الثاني ما شاع نقله عن السمنية والبراهمة من إنكار ذلك وحصرهم العلوم في الحواس الظاهرة الثالث ما حكاه في المنية وغيره فقالا ومن السّمنية من وافق على إفادته العلم إذا كان خبرا عن أمور موجودة في زماننا دون ما كان خبرا عن أمور سالفة للقول الأوّل ما تضمنه جملة من الكتب ففي العدة حكى عن قوم يعرفون بالسمنية أنهم أنكروا وقوع العلم بالإخبار وعندها وحصول العلم بالإدراكات دون غيرها وهذا مذهب ظاهر البطلان لا معنى للتشاغل في إبطاله والإكثار في ردّه لأن المشكك فيما يحصل منه العلم عند الإخبار كالمشكك عند المشاهدة وغيرهما من ضروب الإدراكات من السوفسطائية وأصحاب العناد ومدخل الشبهات في هذا كمدخل الشبهات في ذلك لأن نفوسنا تسكن إلى وجود البلدان التي لم نشاهدها مثل الصّين والرّوم والهند وغير ذلك مما لم نشاهدها وإلى وجود الملوك وغيرهم وإلى هجرة النّبي صلى الله عليه وآله وإلى وقوع المغازي وحصول الوقائع الحادثة في الأيام الماضية كما تسكن إلى العلم بالمشاهدات فيما يحصل عند الإخبار أنه ظنّ وحسبان كمن ادعى ذلك في المشاهدات وهذا القدر كاف في إبطال هذا المذهب لأنه ظاهر البطلان وفي الذّريعة اعلم أن أصحاب المقالات حكوا عن فرقة تعرف بالسمنية إنكار وقوع العلم عند شيء من الإخبار وأنهم يقصرون العلوم على الإدراك دون غيره والذي يدل على بطلان هذا المذهب أنا نجد من سكون نفوسنا إلى اعتقاد وجود البلدان الكبار والحوادث العظام ما نجده عند المشاهدات فمن تشكك في الآخر ومن ادعى أنه ظن قوي كمن ادعاه في الأمرين والأشبه إن كانت هذه الحكاية حقا أن يكون من خالف إنما خالف في الاسم دون المسمّى واشتبه عليه العلم بالظن كما نقوله في السوفسطائية وهذا القدر كاف وفي المعارج الخبر المتواتر مفيد للعلم وأنكره السّمنية لنا أن الواحد منا يجد نفسه جازمة بالبلدان والوقائع وإن لم يشاهدها عند الإخبار عنها كجزمنا بما نشاهده جزما خاليا عن التردد وفي النهاية لنا أنا نجد أنفسنا جازمة بوجود البلاد النائية والأمم الخالية والملوك جزما ضروريا جاريا مجرى جزمنا بالمشاهدات وفي المنية بطلان كلام السّمنية معلوم بالضرورة فإن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري بالبلاد النائية كالهند والصّين والأنبياء مثل موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله والملوك